أحمد بن عميرة المخزومي
117
تاريخ ميورقه
برّزتم من السّور ففي أرض الحرب « 1 » أنتم سائرون ، ولأولياء أهله أنتم مسافرون ، فهالهم ما سمعوا ، ويئسوا ممّا فيه طمعوا ، وهمّوا بالانصراف ، وقالوا لا تلافي لما سبق القدر أن يكون سبب التلاف . ثم إنهم قالوا أردنا أمرا ، ولا بدّ أن نبلي فيه عذرا ، ونبلو منه وفاء أو غدرا « 2 » ، ومشوا بتلك النية ، وانتهوا إلى / 36 / مجتمع الرّعية فتلقّوهم بأريحية ، وحيّوهم أحسن تحية ، وقالوا لقد جئتمونا في وقت الحاجة ، وقد أنضجنا من الرأي ما لا ينسب إلى الفجاجة « 3 » ، وأردناكم لمباشرته فدعونا من اللّجاجة « 4 » ، إنّا صالحنا الرّوم على شروط ، ولا بد معهم من عقد مربوط ، ونريد أن تحضروا معنا الصّلح ، ليكون عقده أوثق وأصح ، فقال القوم لهم معشر المسلمين لا تشكوا بعد يقينكم ، واتقوا الله في مدينتكم ودينكم ، أتخذلون إخوانكم وتولّون عنهم ؟ وتتولّون الكافرين ومن يتولّهم فإنّه منهم « 5 » ، فكيف ترضون بهذه القطيعة الفظيعة ، أولا ترون ما يؤول الأمر إليه من الخطوب الشنيعة ، فقالوا لا بد من مشيكم معنا مكرمين إن أطعتم ، أو مكرهين إن تمنعتم « 6 » . ثم حملوهم مستحلّين لظلمهم ، وقالوا للملك هؤلاء في حكمك
--> ( 1 ) ويقال دار الحرب ويراد بها بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين . وهو يقصد أن أهل البادية في الجزيرة قد دخلوا في طاعة النصارى ولم تبق سوى مدينة ميورقة دار إسلام . ( 2 ) طباق الإيجاب بين " الوفاء والغدر " . ( 3 ) يقال : رجل فجفج وفجافج وفجفاج : كثير الكلام والفخر بما ليس عنده . وقيل : هو الكثير الكلام والصّياح والجلبة . وقيل : هو الكثير الكلام بلا نظام . والرجل الفجفاج : المهذار المكثار من القول . لسان العرب ، ج 2 ، ص 340 . ( 4 ) جناس ناقص بين " الفجاجة واللّجاجة " . ( 5 ) إشارة إلى قوله تعالى : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " . سورة المائدة ، الآية 51 . ( 6 ) مقابلة اثنين لاثنين بين " مكرمين ومكرهين وأطعتم وتمنّعتم " .